الصفحة الرئيسية

الحرب الخاصة

هنالك الكثير من الحروب التي يشنها قوة ما على قوة أوهدف آخر. هنالك الحروب الساخنة والمباشرة أوالتي يتم استخدام النار والسلاح فيها وهنالك الحروب الاقتصادية، والحروب الثقافية والعديد من أنواع الحروب الأخرى عبر التاريخ. وكذلك هنالك الحروب النفسية والتي تعتمد على الدعاية والهجمات الإعلامية المختلفة والتي نسميها ضمن أدبياتنا السياسية بالحرب الخاصة. نحنُ كحركة تحررية لنا باع طويل في التصدي للحرب الخاصة طوال ثلاثة عقود من الزمن.

الدولة التركية لم تكتفي باحتلال كردستان واستغلال مقدرات بلادنا وإنكار هويتنا بل عملت بكل ما في وسعها لتطبيق سياسة حرب لطمس الهوية وقتل الشخصية والقضاء على كل القيم الوطنية الديمقراطية الأصيلة للشعب الكردي.

الدولة التركية لم تكتفي بمنع اللغة والثقافة والقيم الكردية، بل عملت على جعل الشعب الكردي أن يتهرب من حقيقته ويتقبل عن رضا هذا الصهر القومي المقيت. حيث بات الكثير من أبناء الشعب الكردي يخجلون من حقيقتهم ولا يتلفظون بكلمة كردية ويتحولون إلى أتراك أكثر بكثير من الأتراك الحقيقيين. لكن الحرب الخاصة التركية لم تكن ضد الشعب الكردي فقط، بل كانت موجهة إلى الجماهير التركية أيضاً، حيث بات الشعب التركي من أكثر الشعوب حمقاً وغفلة في العالم.

الدولة التركية مارست من خلال دوائر الحرب الخاصة شتى أنواع غسل الأدمغة والتشويش على العقل الكلي للجماهير، حيث استخدمت الرياضة وخاصة كرة القدم والسينما والأفلام والقنوات الفضائية والجرائد والإذاعات والمدارس وحتى المساجد في هذه الحرب القذرة. فالإعلام والرياضة والسينما التركية هي منابر للحرب الخاصة بالدرجة الأولى.

فقد جعلت هذه الحرب الخاصة الشاملة من الجماهير التركية ان تبتعد ألف ميل عن رؤية الحقائق أوحتى الشعور بالعبودية والقهر الذي يرزحون تحتها. وكل الذين يتحررون من براثن الحرب الخاصة التركية يصبحون هدفاً لوحشية الأمن والجيش التركي. فقد رأينا كل ما آل إليه حال الثوار واليساريين الأتراك الذين نادوا بالعدالة والحرية ورفضوا الخنوع للنظام التركي الفاشي.

الشعب التركي عامة وحركتنا خاصة وجهاً لوجه مع أبشع الحروب إن كانت من خلال الجيش أوالحرب الثقافية والإعلامية والنفسية أي الحرب الخاصة. الجيش التركي والحكومة والإعلام والمعارضة وكل الأحزاب الكلاسيكية متحالفة لمحاربة الشعب الكردي وحركتنا التحررية. الإعلام التركي من أقذر المؤسسات في تركيا وهي بعيدة كل البعد عن القيم والأخلاق المعروفة لدى الصحافة الحقيقية. فكل يوم هنالك العشرات من الأخبار الكاذبة والهجمات الشرسة في الجرائد والتلفزة التركية. لكن هذا الإعلام لا يكتفي فقط ببث الأخبار الكاذبة، بل يدعومن خلال المقالات والحوارات الصحافية إلى نبذ الأكراد وتحريض الجماهير الغوغائية التركية على مهاجمة المواطنين الكرد والتشهير بالقيم والمؤسسات الديمقراطية الكردية وكيل الشتائم والسباب القذرة على الشعب والشخصيات الكردية.

الإعلام التركي قد بات إعلاماً عسكرياً بامتياز وهوأكثر فاشية من الجيش نفسه، فهذا الإعلام يعمل على تحوير الحقائق وقلبها، ان الفشل والهزيمة التي يتعرض لها الجيش التركي في كردستان يعمل الإعلام إلى عكسها للرأي العام إلى انتصارات مظفرة. فهذا الإعلام لا يتردد في التطبيل والتزمير للحملات العسكرية التي يشنها الجيش على قواتنا. فعندما يتفرج المرء على القنوات التركية ويتابع الأخبار والاستطلاعات التي تقوم بها الصحافة المأجورة يشعر بالدوران والحاجة إلى التقيؤ. فهم يضخمون الأمور وخاصة المتعلقة منها بالحملات العسكرية وكأن العسكر التركي قد بات ضمن معسكراتنا. حيث يبثون مشاهد الجنود والمدرعات والطائرات والقنابل والصواريخ بإضافة المؤثرات الصوتية والخدع العينية والكلمات المنمقة حتى يبدووكأن القيامة ستقوم للتو.

كذلك هنالك تحوير وتزوير كبير جداً في قلب الحقائق لخداع الرأي العام وإخفاء الهزائم المريرة والخسائر التي يمنى بها الجيش التركي في حملاته ضد قواتنا. حيث يبثون أخبار كاذبة تضخم كثيراً من عدد شهدائنا ولا تذكر شيئاً عن خسائر الجيش. فلومات عشر جنود فهم لا يذكرون ذلك بتاتاً، وهم يبثون كل خسائرهم وهزائمهم وكأنها انتصارات مهيبة.

الإعلام التركي بأكمله، الفضائيات والراديو والجرائد والمجلات ومراكز الإعلان والدعايات والوكالات والصحافيين يتحركون حسب أوامر الجيش التركي ويعملون وفق التوجيهات التي تصدرها لجنة الإعلام التابعة لهيئة الأركان العامة للجيش. أي ليس هنالك إعلام حر أومستقل، وليس هنالك سير خبري صحيح وصادق، أي ليس هنالك أية مصداقية أخلاقية أومهنية للإعلام التركي. لذا يجب أن لا ننخدع أونصدق أي شيء يبثه الإعلام التركي من أخبار.

الأمر ليس متعلقاً فقط بالأخبار والأنباء والاستطلاعات والتحقيقات الصحافية، بل يتخطى الأمر إلى البرامج الترفيهية وحتى الثقافية والدراما. المسلسلات التي تنتجها القنوات التركية بعيدة كل البعد عن الحقيقية المعيشية للشعب التركي، وهي مسلسلات تهدف إلى إلهاء الجماهير وإدمانها على هذه الأمور التافهة والتعلق بأحداثها. وهنالك بعض المسلسلات الموجهة إلى الجماهير الكردية، حيث نلاحظ استخدامهم لبعض الأسماء الكردية وتصويرها في بيئة كردية، مع العلم بأن فحوى هذه المسلسلات لا تتعدى احتقار الأكراد وإظهارهم للعالم وكأنهم متخلفين وعشائريين وليس لهم شغل شاغل سوى أمور العشيرة والعشق والثأر القبلي. منتجي هذه المؤسسات يتعدون على القيم الكردية ويستخدمون أسماء مثل (زيلان وديلان وبيريفان) في هذه المسلسلات التافهة. ومن المؤسف أيضاً بأن بعض الأكراد البسطاء ينخدعون بهذه الألاعيب ويدمنون على متابعة هذه المسلسلات التافهة. بالإضافة إلى المسلسلات هنالك الكثير من الأغاني والكليپات الهابطة التي تفتقر إلى أبسط القيم الفنية والمعايير الثقافية المتقدمة. هنالك العشرات من القنوات التركية الخاصة بالأغاني على مدار الساعة، وأخطر هذه القنوات هي التي تتموه بطابع (علوي) والتي تبث أحياناً بعض الأغاني الكردية، فهذه القنوات تعمل على منافسة قنواتنا الوطنية الحرة والتقليل من عدد مشاهديها.

بالإضافة إلى الأخبار والمسلسلات والكليپات هنالك الرياضة وخاصة كرة القدم التي تلعب دوراً كبيراً في الحرب الخاصة. فقد بات المجتمع التركي منقسماً على نفسه بحسب تأيد فرق كرة القدم. كثيراً ما تحدث المعارك الطاحنة بين مؤيدي هذا وذاك الفريق. هذه المعارك تجعل الإنسان يقلق على هذه الحالة من انعدام المنطق والعقل. فقد باتت هذه الجماهير الكبيرة من المؤيدين والمتناحرين فيما بينهم كالبهائم التي تتحرك وفق الغرائز البدائية الهمجية. فبدلاً أن يفكر هؤلاء بالمستقبل الاقتصادي والسياسي لبلادهم فهم في حالة جنونية في تشجيع فريقهم ومحاربة مؤيدي الفرق الأخرى. وهذا الأمر أيضاً يصب في صالح النظام التركي الفاشي الذي يريد أن تبقى الجماهير في نومها الوردي.

من المؤسف جداً بأن جماهير واسعة من الشعب الكردي يتابعون ويشجعون بعض فرق كرة القدم الشوفينية ولا تفتهم مباراة واحدة على الإطلاق. ومن المحزن أيضاً بأن عدد كبير من رفاقنا لم يتخلصوا بعد من هذا المرض، فنراهم يحترقون شوقاً إلى متابعة مباراة بين هذا الفريق الفاشي وذاك الفريق الشوفيني.

الدولة التركية تعمل من خلال ثالوث (الجنس) و(الرياضة) و(الفنون) على إفراغ الإنسان من كل قيمه الإنسانية والمعنوية. هذه الحرب موجهة إلى كل الذين يتابعون بأي شكل من الأشكال وفي أي مكانٍ كان الإعلام التركي. وهي موجهة إلى داخل صفوف حركتنا أيضاً. حيث هنالك مساعي حثيثة وجهود لدائرة الحرب الخاصة التركية للتسرب إلى داخل صفوفنا وغزوعقولنا من خلال الإعلام وخاصة القنوات الفضائية. وكذلك فإن هذه القنوات تلعب دور المرسل بين مركز ودوائر المخابرات وبين العملاء والجواسيس الذين يتم إرسالهم إلى داخل صفوفنا. فقد ثبت هذا من اعترافات الجواسيس بأنهم كانوا يتلقون الأوامر المشفرة من خلال بعض قنوات التلفزة التركية. لذا من المهم بمكان الابتعاد قدر الإمكان عن هذه القنوات وكل وسائل الغزوالثقافي والحرب النفسية.

الأمر ليس متعلقاً باختلاف الأذواق والهيوايات بين الأشخاص. بل الأمر يتعلق بحرب خاصة يجب الحماية منها واخذ التدابير اللازمة ضدها. فكما نقوم باتخاذ التدابير اللازمة ضد الغارات الجوية ونحفر الخنادق للحماية من القصف المدفعي، كذلك يجب الاقتراب بنفس الجدية وأخذ التدابير اللازمة ضد الغزوالفكري والحرب النفسية والثقافية التي تشنها الدولة التركية من دون توقف ضدنا. وكل ضعف في خطوطنا الدفاعية تعني نصراً للعدوالتركي.

ثقافتنا الكردية الأصيلة وفنوننا الثورية الديمقراطية أقوى وأغنى بألف مرة من الثقافة التركية الهجينة. لذا سيكون مؤسفاً جداً أن نتهرب من هذه الثقافية إلى ثقافة الحرب الخاصة الرديئة التي تقتل الروح والذوق السليم والحس الإنساني الراقي ولا تخاطب سوى الغرائز والشهوات الآنية ونقاط الضعف الشخصية لدى ضعاف النفوس.

الأمر لا يتوقف فقط في حدود الإبتعاد عن مصادر وقنوات هذه الحرب، بل يجب شن الحرب ضدها ومكافحتها

 

© 2006 PKK www.pkk-info.com

-