|
الشاة تهمها روحها والقصاب يهمه لحمها


بعد عملية هكاري " أورامار" التي قُتِل فيها عشرات الجنود
وجرح أكثر من ذلك العدد وأسر ثمانية جنود آخرين من الجيش التركي، قامت
الدولة التركية على الفور بفرض الحظر على الإعلام ومنعها من كتابة ونشر
الحقائق، وكانت الحجة أقبح من ذنب فتحججت بأن الإعلام يحط من معنويات الجيش
ويظهر ضعفه، ويتسبب في تراجع هيبة الدولة في نظر المجتمع. وأعترض على هذا
القرار العديد من المؤسسات والمنظمات المدنية وذلك لكون هذا القرار يعيق
ويلغي حرية الصحافة والرأي، إلى جانب كون هذا القرار يعيق حق المجتمع في
الحصول على الحقائق والمعلومات بشكل صحيح، فأوقفت محكمة التمييز العمل بهذا
القرار بعد مناقشة طويلة وإعتراضات عديدة. وجاء قرار محكمة التمييز هذا،
ليزيد من توتر حكومة أردوغان، التي كانت في الأساس تحت ضغط عنيف نتيجة
العمليات العسكرية الأخيرة التي قام بها حزب العمال الكردستاني "pkk"
وجاء حديث أردوغان ليكشف دون خيار منه، أن القرار الذي أتخذه بمنع الصحافة
من التعليق على العمليات العسكرية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني،
كان الهدف منه حماية الحزب من الإنتقادات وردود الفعل حين قال:
" أتعجب لقرار محكمة التمييز هذا، ففي الوقت الذي يتطلب أن
تتحرك جميع مؤسسات الدولة معاً، وأن يساندوا بعضهم بعضاً، يقومون برفض
الحظر الذي أعلناه على الإعلام" .
وجاء حديث أردوغان هذا ليثبت مرة آخرى أن جميع الحقوق
والقوانين تبقى معلقة دون العمل بها عندما يكون الحديث هو الكرد ، وتبقى
جميع القوانين والمبادئ الحقوقية غير سارية المفعول في تعامل الدولة
التركية مع القضية الكردية، ولم تقف عند حد اللاحقوقية بل هي فرض
اللاحقوقية ذاته، لايمكن للحقوق أن يصبح آلة للسياسة القذرة في اية دولة
ديمقراطية، ولاتتحرك جميع المؤسسات في دولة ديمقراطية بآلية واحدة بهدف
خدمة سياسة الحكومة القذرة، وما يفهم من حديث رئيس الوزراء رجب طيب
أردوغان، بأن الديمقراطية ليست هدفاً وإنما هي وسيلة، وكذلك فإن المبدأ
القائل بأن: "الحقوق هي فوق الكل" بالنسبة إلى أردوغان هو أيضاً ليس
أكثر من وسيلة. فعائلات القتلى والجرحى وعائلات الأسرى كانوا يحترقون ألماً
لسماع خبرٍِ عن أولادهم، وفي الوقت الذي يكاد يكون فيه، من كل عائلة في
تركيا فرد في الحرب والجيش أوالشرطة أو في القوات الخاصة، ففي مجتمع كهذا
يكاد يكون هذا المجتمع يحترق ناراً، فيفتح أذنيه ليسمع خبراً بسيطا يتعلق
بوضع أبنائهم، إلا ان الحكومة تحظر الإعلام من نقل الخبر، فالعائلات يريدون
معرفة كيف قُتل أبنائهم أو كيف تم أسرهم وجرحهم ليطمئن قلوبهم ولو كان
قليلاً. إلا أن أردوغان الذي يردد قائلاً: يحترق أكبادنا كل يوم،
يُحرّم هذه العائلات من سماع بعض الأخبار التي قد تلطف قلوبهم. نعم فكبد
أردوغان يحترق أيضاً! ويحترق أكثر من اي شخص آخر، إلا أنه لايحترق لمقتل
بعض جنوده وأسراه، وإنما يحترق خوفاً من فقدان حزبه لبعض الأصوات في
الانتخابات القادمة. وإلا لو انه كان يعاني من آلام مقتل جنوده وعساكره لما
حرّم عائلاتهم من سماع أخبار ذويهم، وما وصف قرار محكمة التمييز التي أوقفت
العمل بهذا التحذير، بأنه يستهدف حكومته وحزبه، فالشاة تهمها إنقاذ روحها
والقصاب يهمه لحمها، ومايهم أردوغان وحزبه هو كيفية تجاوز هذه المرحلة دون
فقدان الأصوات في الإنتخابات القادمة.
قِبلة حزب العدالة والتنمية ليست الكعبة، بل منافعها
أردوغان الذي كان يعارض التمشيطات خارج الحدود سابقاً إنقلب
فيما بعد الانتخابات إلى المطالبين الأوائل بإتخاذ قرار التمشيط خارج
الحدود التركية، وبالتحديد إلى شمال العراق, وهذا هو نتيجة إتفاقهم مع رئيس
هيئة الأركان وصفقة تقاسم الحصص والأدوار فيما بينهم، حيث وافق الجيش ورئيس
هيئة الأركان بترشيح عبدالله كول لرئاسة الجمهورية، مقابل قبول أردوغان
والسماح للجيش بالدخول إلى شمال العراق، ويمكن رؤية مواقف أردوغان وحزبه
والتناقضات التي يعيشونها بوضوح، وتبين جلياً رغم كونهم مسلمين إلا أنه
لاقِبلة لهم يتجهون إليه، فقبلة هؤلاء ليست الكعبة كما يدعونها هم، بل هي
المنفعة، ودينهم ليس دين الإسلام أبداَ، بل هي السطلة والمنفعة تماماً،
وإلا كيف يمكننا أن نفسر سجدته في الأمس أمام رهبان الدين الرباني
الراديكالي الإسلامي، وتوسله اليوم للعلماني المتشدد ياشار بيوك آنت.
رئيس الوزراء التركي أكمل عامه الخامس وهو يجلس في كرسي
السطلة، وإن لم يحللوا بشكل صحيح كيفية مجيئهم إلى السلطة وبقائهم في نفس
الموقع لن يستطيعوا إطالة عمرهم هناك والإحتفاظ بموقعهم هذا. فحزب العدالة
والتنمية جاء إلى الحكم نتيجة فشل جميع الحكومات السابقة التي حكمت تركيا
منذ 1984 وحتى 1992 في حل مشاكل تركيا العالقة وفشلهم في حل القضية الكردية
التي تحتل مكانة أساسية في القضايا التركية، وردود الفعل المتشكلة لدى عامة
الناس من عدم إيجاد حل لهذه المشاكل والقضايا، والأمل الذي أنتظره عامة
الناس من حزب العدالة والتنمية الذي قد يكون صوتاً ولوناً آخر مغايراً
للحكومات السابقة، إلى جانب السياسة التي أتبعتها حركة الحرية الكردستانية
"ب ك ك" فيما بعد ايلول 1999والتي سحبت قواتها إلى خارج الحدود بهدف إيجاد
حل سلمي للقضية هذه السياسة التي فتحت المجال وقدمت إمكانيات واسعة لبقاء
حزب العدالة والتنمية في الحكم، إلا أن هذا الحزب نجح في خداع الشعب وخلق
مواضيع ثانوية أهتمت بها، بدل إيجاد الحلول السلمية للقضايا التي تعيشها
تركيا عامة.
فالحملة التي باشرتها حركتنا في 1 حزيران 2004 كانت بمثابة
تحذير لـ أردوغان وتذكيره بالشروط والظروف التي ساهمت في مجيئه إلى الحكم
والاستمرار فيه. ومع بدء بعض العمليات بدأت سلطته تهتز، فتحرك مباشرة وقام
بتحريك مثقفيه وأعلن بأنه يعترف بوجود مشكلة كردية وسيسارع في حلها، إلا أن
تحرك الحركة القومية الشوفينية التركية التي رفعت من صوتها قليلاً، وأبدت
ردود فعلها تجاه تصريحات أردوغان بحل القضية الكردية، ضغطت على أردوغان
ليقوم بتغيير كعبته من جديد، وتوجه نحو موجة الشوفينية القومية وأحتضنها
متناسياً وجود قضية كردية وعد بحلها، وفي الأساس فإن ما سلكه أردوغان من
سبل لم يختلف بشيء عن أجداده، والفرق الوحيد بين أردوغان وسلفه من الحكام
هو شكوك أردوغان من دولته وحزبه، وإن أسلاف أردوغان لم يبقوا في الحكم
طويلاً رغم مساندة الدولة الكاملة لهم في ظروف الاشتباك، وليس هناك حاجة
لنقول لأردوغان بأن ظروف الصراع والاشتباك سينهي حكمه وسلطته لامحال.
بعد مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة رددّ أردوغان
مراراً " نحن شكلنا الحكومة ، إلا أننا لم نشكل السلطة بعد " .
السبيل الوحيد لوصول الأحزاب السياسية إلى السلطة في تركيا، هي إيجاد حل
للقضية الكردية، فالصراع على السلطة فيما بين الأحزاب السياسية في تركيا
وقوى الدولة الخفية فيما وراء الكواليس تتمحور حول القضية الكردية، ولكون
الأحزاب السياسية هي المعنية بحل هذه القضية في نظر الشعب، ونتيجة فشلهم في
حل القضية الكردية هذه، فإنهم يفشلون في صراعهم على السلطة مع قوى الدولة
أيضاً، والآن جاء دور حزب العدالة والتنمية، هذا الحزب الذي استخدم الوقت
الضائع بكل دقائقها، والعمليات العسكرية الأخيرة التي قام بها حزب العمال
الكردستاني، إلى جانب موافقة البرلمان التركي وتفويض الجيش للقيام
بالتمشيطات خارج الحدود، أدخل حزب العدالة والتنمية في العد التنازلي
السريع نحو الهاوية والإنهيار، ولم يعد هناك فرصة لحزب العدالة كي يرتدي
الطاقية ويستفيد من الأرباح المجنية، وفقدت هذه الإمكانيات منذ تلك اللحظة،
وإذا أستمر في سياسته المتبعة، سياسة الإمحاء والإنكار قد لايستطيع الحفاظ
على موقعه حتى الإنتخابات القادمة أيضاً، وإن إنسحب من سياسة الإنكار هذه
ووضع مسافة بينه وبين هذه السياسة قد يكون في منفعته ولصالحه. والقِبلة في
هذه المرة لاتكمن في إهمال القضية الكردية والتغاضي عنها، وإنما في حلها
حلاً عادلاً وليس منا إلا البلاغ.
سرهد شنكال
|